استشارات مختارة
آخر الأخبار
مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - جرأة أنثى مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - article
 
        جرأة أنثى

جرأة أنثى

د. عبدالوهاب بن ناصر الطريري

نــــائب الـــــمشرف عــلى مؤسسة «الإسلام اليوم».

 

نحو من خمس عشرة سنة مَرَّت على جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عُميس رضي الله عنهما، ومن معهم من المهاجرين الأول، وهم في أرض الغربة، مقيمين في الحبشة، هجرة في ذات الله ورسوله، حتى أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْري إلى النجاشي يأمره بأن يجهزهم إليه، فركبوا البحر عائدين إلى رسول الله في المدينة سنة سبع من الهجرة، ففرح بهم الرسول والمسلمون فرحًا شديدًا، ونزلوا أهلاً وقَرّوا عينًا، وسَعِدوا بلقاء النبي وإخوانهم من المهاجرين والأنصار، وذهبت أسماء بنت عُميس ذات يوم إلى حفصة أم المؤمنين، وكانت ممن هاجر إلى الحبشة قديماً، فبينما هي عندها إذ دخل عمر على ابنته حفصة، فوجد أسماء عندها، قال: من هذه؟ قالت: هذه أسماء.

قال: آلبحرية هذه، آلحبشية هذه؟ أي التي جاءت على البحر من الحبشة، قالت: نعم. فقال لها عمر: سبقناكم بالهجرة مع رسول الله فنحن أحق برسول الله منكم. فغضبت أسماء وقالت: كلا والله، بل كنتم مع رسول الله يُطعِم جائعكم، ويَعِظُ جاهلكم، وكنا في دار البغضاء البعداء بالحبشة، وكنا نُؤْذَى ونخاف، وما ذاك إلا في ذات الله ورسوله، والله لا أذوق ذواقًا، ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول الله وأسأله، والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد عليه. فلما جاءا لرسول الله قالت أسماء: يا نبي الله، إن عمر قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقُّ برسول الله منكم؟

فقال الرسول: «فما قلت له؟». قالت: قلت: كلا، والله، بل كنتم مع رسول الله يُطعِم جائعكم، ويَعِظُ جاهلكم، وكنا في دار البغضاء البعداء بالحبشة، وكنا نُؤْذَى ونخاف، وما ذاك إلا في ذات الله ورسوله. فقال الرسول: «ليس بأحق بي منكم، له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أصحاب السفينة هجرتان» أي لكم هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة، فلا تَسَل عن فرح أسماء ببشرى رسول الله لها ولمن معها بأنهم أهل الهجرتين، وأنهم سابقون وليسوا بمسبوقين، وكان من فرح أسماء أن أعلنت البشرى وأشاعت الخبر، حتى علم بها أصحاب السفينة الذين أتوا معها من الحبشة، فإذا بهم يأتونها فوجاً إثر فوج، يسألونها عما قاله لها رسول الله، فما هم من الدنيا بشيء أفرح ولا أعظم مما حَدَّثَتْهم أسماء من بشرى رسول الله لهم، حتى قالت أسماء: رأيت أبا موسى وإنه يستعيد هذا الحديث مني.

نقرأ صفحة من صفحات الصبر الجميل في العطاء لهذا الدين من جعفر

وزوجه أسماء وهذه العُصْبَة المؤمنة، إذ قضوا هذه المدة المديدة في أرض غربة، عند قوم ليسوا على دينهم ولا لغتهم، ولم يأتوا حتى استدعاهم النبي، فخفوا إليه «ارسعًا»، لا ليستريحوا من طول عناء، ولكن ليستأنفوا مرحلة أخرى من العطاء والبذل، ولذا فإن جعفر الذي قدم سنة سبع هو الذي خرج بعد أشهر مجاهداً في سبيل الله، ليُقْتَل في معركة مُؤْتَة، ولتعيش زوجه أسماء ألم الثُّكْل بعد أن عاشت ألم الغربة، إنها حياة أُوقِفت لله.

يشدُّك هذا الجو النفسي العجيب الذي كان أصحاب رسول الله يعيشونه، إنها النفوس المشغولة بالتنافس في الطاعات والمسارعة في الخيرات، إنها حالة من السمو النفسي تراها في قول عمر: «سبقناكم بالهجرة». وفي قول عمر: ما سابَقْت أبا بكر إلى خير إلا سبقني. وفي شكوى فقراء المهاجرين: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يُصَلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، وفي فرح أصحاب السفينة الذي ظهر عليهم وعرفته أسماء فيهم، فقالت: ما من الدنيا شيء هم أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم الرسول الكريم.

في شواهد من ذلك كثيرة، لقد كان ميدان التنافس ومضمار التسابق جلائل الأعمال الصالحة، «وَفي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ».

يَبْهَرُك موقف أسماء هذا، فهو دال على أنها كانت تؤدي دورها بوعي كامل لمسؤوليتها، لقد كان يمكن أن تُجيب عمر قائلة: لقد ذهبت مع زوجي يوم ذهب، وعدت معه يوم عاد.

 وحَسْبُها ذلك لو كانت تؤدي دورها مجرد تابعة، ولكنها واجهت عمر مواجهة الواثقة، المُتَشَبِّعة بما عملت، ولشدة يقينها أقسمت أن ترفع ما جرى إلى رسول الله، وقد فعلت، وكل ذلك دليل على غاية الوثوق بأهمية الدور الذي قامت به مع زوجها جعفر رضي الله عنهما.

إن هذا يكشف أن المرأة كانت شريكاً حقيقيّاً فاعلاً في مشروع الدعوة النبوية، مُتَشَبِّعة بقناعتها، واعية بدورها، ولذا كان عطاؤها عطاء كثيراً طيباً مباركاً فيه، وما كان ذلك لِيَتِمَّ لو كانت تعيش بعض حالات التهميش والإقصاء والاستتباع.

إن النبي سمع مقالة أسماء عن عمر لم يسارع بالجواب، وإنما سألها قائلاً: «فما قلتِ له؟».

فلما قالتُ: قلتُ له كذا وكذا، أجابها مُقَرِّراً لما قالت ومُؤكِّداً له، وهذا نوع من التربية النبوية لبناء الثقة في الذات، وإظهار اعتبار رأي المرأة، ولذا سألها: «فما قلت له؟»، ينتج لنا من هذا المشهد نوع العلاقة بين الرجال والنساء، فمع المحافظة التامَّة على الاحتشام، وعدم الخضوع في القول، إلا أن ذلك لم يكن يعني إقصاء المرأة أو تحجيم التعامل معها، ولذا جاء أهل السفينة يسألونها عن مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي ترويها لهم جميعاً. وهذا أبو موسى يستعيد الخبر منها بعد أن سمعه، طرباً ببشرى رسول الله، إن حشمة المرأة وسَترها لا يعني تغييبها عن مشهد الحياة التفاعلية.

 

 

 



Share

تاريخ إضافة المقال : 6-9-1429 هـ
 
 
بادر بالمساهمة

 
استطلاع الرأي
هل تؤيد الانجاب في السنتين الأولى من الزواج؟
 
نعم
لا
 للتواصل معنا   
  البريد الإلكتروني


  رقم الجوال
 
 
 
الآراء الواردة في المقالات تعبر عن مواقف كتّابها وليس بالضرورة موقف مشروع ابن باز الخيري جميع الحقوق محفوظة