استشارات مختارة
آخر الأخبار
مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - الوأد على الطريقة العصرية 3 / 3 مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - article
الصفحة الرئيسية >> المقـــــــالات >> الوأد على الطريقة العصرية 3 / 3
 
        الوأد على الطريقة العصرية 3 / 3

الوأد على الطريقة العصرية  3 / 3

عادل بن سعد الخوفي

adel@almostshar.com

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، أما بعد:

فبعد الجزء الأول والثاني من مقالتنا هذه، أقف هنا مع غول يهدد البيوت المستقرة، يُشَتِّتُ شملها، يُحيلها بيئة طاردة بغيضة مُعَنِّفة، يجلب لها العار والحزن والاضطراب. إنه العنف الأسري ضد الفتيات، ضد بهجة الدنيا وزينتها، ضد الرقَّة والعذوبة، ضد أمهات المستقبل وصانعات أمجاده، فإن "المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم وتحكمه بشمالها".

هروب الفتيات، انحراف الفتيات، جرائم الفتيات، انتحار الفتيات، إدمان الفتيات، اضطراب الفتيات النفسي، قائمة من الأمراض والأسقام في المجتمع، نتيجة حتمية للعنف الذي يعترضهن في طفولتهن، فهذه "سارة" ذات العشرة أعوام، عُرفت خلال الفترة السابقة بهروبها عن الأسرة بعد خروجها من المدرسة؛ إذ دائماً ما تقرر عدم العودة لمنزل والدها وتلجأ لإحدى الأسر، رغبةً في حمايتها من عنف نفسي تجده بمنزل والدها بعد أن كان قد طلق والدتها.

وهذه "أ.هـ" تقول: لم أجد حضناً دافئاً طيلة حياتي مع أسرتي، ولم أسمع كلمة أحبك أبداً، ولستُ أظن أني سأسمعها يوماً في أسرتي، بل إن كنتُ أرتقبها يوماً ما، فستكون خارج أسوار بيتنا المُميت، فلكم تخيَّلتُ رجالاً غُرباء يقولونها لي بدفء وحميمية!! إني أحلم أن يأتيني آتٍ لينقلني إلى سعة الدنيا ورحابتها.

حُلمٌ يراودها للهروب إلى المجهول، فقط الهروب مما تراه من عُنفٍ أو حرمان، هروب حقيقي ينقلها خارج أسوار أسرتها (الطاردة)، حتى وإن قذفت بما آمنت به من أعراف أو فضائل، حتى وإن تعلَّقت بحبٍ وهمي مع ثعلب مراوغ، حتى وإن كان في جحيم المخدرات، فأداة العقل والشرع لديها هنا مُعطَّلة، فقط هي حاجة ملحَّة عَجلى لإشباع حاجاتها النفسية، أو العاطفية، أو الاجتماعية. وقد يكون الهروب معنوياً، فتَظهر لمن حولها بالصورة التي لا يُنْكَرُ عليها فيها شيئاً، وتُواري من الأفكار والأسرار والعلاقات ما يجعل رأسَ الطفل الصغير يشيبُ من هوله.

هذا الواقع له أسبابه؛ فتارة يكون لضعف الوازع الديني لدى الأبوين، وقد يكون للعنف الذي يُمارس على الفتاة تحت جناح التربية، وقد يكون لغياب ثقافة الحوار والتشاور داخل الأسرة، أو عدم التوافق بين الأبوين، أو لصعوبة الحياة المعيشية التي نشأت فيها الفتاة.

إنَّ أدوات العنف كثيرة، ومسوغات الهروب والانحراف والاكتئاب أكثر، والنتيجة مأساة حقيقية، فلقد "أثبتت الدراسات بأن "95%" من المعتدين على الأطفال، و"80%" من متعاطي المواد الضارة (الكحول والمخدرات)، و"80%" من الفارين من منازلهم، و"78%" من السجناء، كل هؤلاء تعرضوا للاعتداء في طفولتهم، كما أن "95%" من العاهرات تعرضن للاعتداء الجنسي في طفولتهن". [العنف الأسري، د.خالد الحليبي].

هذه الأرقام المخيفة، نتيجة خلل في طرائق تعاملنا مع الأطفال في مراحلهم العمرية الأولى، خلل في أسلوب تربيتنا وتقويمنا لهم، نحتاج لتجاوزها أن نُفسح لعاطفة الحب لكي تأخذ مسارها في حياتنا، أن تكون التربية بالحب هي أداتنا الفاعلة مع فتياتنا، ونستنطق الحب والعطف والشفافية والرفق ورغبة الخير للغير في علاقاتنا وسلوكياتنا معهن.

إن الحب صمام الأمان، وهو أسمى عاطفة في حياة الإنسان، وهو مفتاح الصحة النفسية والألفة الأسرية، بل وهو العلامة الفارقة في تعاملات نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم مع ابنته فاطمة رضي الله عنها؛ فلقاؤه بها خليط رائع من الأريحية، والترحيب، والانتماء، والحفاوة، وإعلان الحب، والتحنان، والمكانة العالية.. صورة رائعة من الأريحيةِ، والاشتياقِ، و التقديرِ، والبرِّ، والاحتواءِ، والتَّلَطُّفِ، والريِّ العاطفيِّ، والتربيةِ بالحبِّ، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: (أقبلتْ فاطمةُ تمشي كأنَّ مشيتَها مشيَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً بابنتي ثم أجلسَها عن يمينِه أو عن شمالِه). [رواه البخاري ومسلم].

وعنها رضي الله عنها: (ما رأيتُ أحداً كان أشبَه سمْتًا وهديًا برسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من فاطمة، كانت إذا دخلتْ عليهِ قامَ إليها فأخَذ بيدِها وقبَّلَها، وأجلسَها في مجلسِه وكانتْ إذا دخلَ عليها قامت إليه، وأخذتْ بيدِه وقبّلَتْه، وأجلسَتْه في مجلسِها). [رواه الإمام أبو داود وصحَّحَه الشيخ الألباني رحمهما الله].

صورةٍ دفَّاقةٍ، تُؤكدُ الانتماءَ الأسريِّ، وتُؤسِّسُ في فتياتنا الثقةَ بالنفسِ، وتُغَذِّيهن حتى الإشباع، فلا يَجِدْنَ مسلكاً لسلوكياتٍ سلبيةٍ هنا أو هناك. إنه لقاء بين حبيبين يغذِّي بعضهما بعضاً برِيٍّ عاطفي، وحَنان أبوي، ورعاية أسرية، كسِوارٍ في معصمٍ، تحيطُ بهما من كلِّ اتجاهٍ، فلا تجدُ للانحرافِ، أو التفككِ، أو الخلافِ سبيلاً. فإنَّ التخلق بأخلاق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في علاقته بابنته يُعَدّ سياجاً منيعاً لكل سلبية، يُغَذِّي في فتياتنا كل إيجابية، يعطيهن الأمان والثقة بالنفس، نقبِّلهن، ونحتضنهن، وندعو الله لهن في وجوههن، ونعلن محبتهن، ونداعبهن، ونلاعبهن، ونتبسط إليهن، ونُوسِّع عليهن، ونقدِّر رغباتهن ومشاعرهن، ونعلمهن أمور دينهن ودنياهن.

تؤكد دراسة أعدتها كلية الطب في كاليفورنيا سنة 1986: "الإنسان من الميلاد إلى سن (18) سنة يتلقى ما بين ( 50000 إلى 150000) رسالة سلبية مقابل: (600) "رسالة إيجابية!!"(الأطفال المزعجون، د.مصطفى أبوسعد).

لِنُجرِّب وخلال أسبوع واحد فقط، أن تكون كلماتنا ونظراتنا وملامح وجوهنا وإشارات أيدينا التي نصدرها لفتياتنا، رسائل إيجابية، ثم لندرس نتائج هذه التجربة، وستجد بحول الله خيراً كثيراً.

إنه لا خيار أمامنا، فإما هدي حبيبنا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، وإما أن نجد فتياتنا خارج أسوار بيوتاتنا، "ففي إحصائية لوزارة الداخلية بلغ عدد الهاربات في عام 1426هـ (1334)، فيما أكدت دراسة أخرى أن هناك (3000) حالة هروب في منطقة مكة المكرمة، ومثلها في منطقة الرياض، وأن هناك مئات الحالات التي لا تُسجل بسبب طبيعة المجتمع. والحرمان العاطفي تسبب في دخول (68.8 %) من عينة بحث في سجون النساء. وازدادت عدد محاولات الانتحار بين النساء من (11 إلى 16) حالة شهرياً". [العنف الأسري، د.خالد الحليبي].

نحن في حاجة إلى وقفات علاجية؛ فإن العنف يولِّد عنفاً مضاداً، ولن يَتَحقَّق الدفء والبناء والتربية في أسرنا ما دام العنف ماثلاً في تعاملاتنا، قاسماً مشتركاً في تصوراتنا، خطوتنا الأولى أمام كل موقف لا يروق لنا. وفي المقابل فإن (الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ). [رواه مسلم]. ومع البنات يكون الرفق أكثر تعيناً، أكثر ضرورة وأهمية، فلقد أوصى بهن صلى الله عليه وسلم فقال: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ). [رواه البخاري ومسلم]، ثم هنَّ سبيل إلى الجنة، قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (من عال ثلاثاً من بنات يكفيهن، ويرحمهن، ويرفق بهن، فهو في الجنة).[السلسلة الصحيحة 2492].

الوأد على الطريقة العصرية 1 / 3

الوأد على الطريقة العصرية 2 / 3



Share

تاريخ إضافة المقال : 3-3-1431 هـ
 
 
بادر بالمساهمة

 
استطلاع الرأي
هل تؤيد الانجاب في السنتين الأولى من الزواج؟
 
نعم
لا
 للتواصل معنا   
  البريد الإلكتروني


  رقم الجوال
 
 
 
الآراء الواردة في المقالات تعبر عن مواقف كتّابها وليس بالضرورة موقف مشروع ابن باز الخيري جميع الحقوق محفوظة