استشارات مختارة
آخر الأخبار
مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - الوأد على الطريقة العصرية 1 / 3 مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - article
الصفحة الرئيسية >> المقـــــــالات >> الوأد على الطريقة العصرية 1 / 3
 
        الوأد على الطريقة العصرية 1 / 3

الوأد على الطريقة العصرية 1 / 3

 

عادل بن سعد الخوفي

adel@almostshar.com

يقول مولانا الرحيم  جل جلاله :  وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) سورة التكوير:8-9 ، هكذا كان حال أهل الجاهلية الأولى حين يُبَشَّر أحدهم بالبنت ، فإنه " إذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية يعني (تكون في السادسة من عمرها، و قيل بلغت ست سنوات)، قال لأمها: زيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذه البئر، فيدفعها من خلفها في البئر ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض "( معالم التنزيل، للبغوي ).

وقد يكون هذا الفعل الأثيم بيد الأم ، " فإذا جاءها المخاض جلست فوق حفرة . فإذا كان المولود بنتاً رمت بها فيها وردمتها . وإن كان ابناً قامت به معها! "( في ظلال القرآن ، سيد قطب) . لقد كانوا يعتذرون عن فعلتهم هذه بخشيتهم العار ، أو الفقر الذي قد يرمي بهن في مهاوي العُهر ، ولذا كان شعار بعضهم : " وأد البنات من المكرمات " .

ولم يتوقف الأمر لديهم في وأد البنات، فقد تعدَّى إلى الأولاد "ومن ذلك قصة عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم لما نذر أن يذبح العاشر من ولده، وكان العاشر عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم ".

وتنتهي حقبة الجاهلية الأولى بمبعث نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، لتبتدئ حقبة جاهلية القرن الواحد والعشرين في هذا الأمر بسلوكيات أشد وأنكى ، فلم يقتصر الوأد فيه على القتل للبنات وبعض الذكور وحسب ، بل خرج إلينا تحت شعار "العنف الأسري" ليئد "الأطفال، والزوجات، والمسنين، والخدم" ، وقد يَتَّخذ صوراً أخرى من "الوأد" فيقتل براءتهم، وإرادتهم، وحريتهم، وكرامتهم، وحقوقهم، تارة بإيذاء جسدي، وتارة بإيذاء لفظي، وتارة بإيذاء نفسي.

فالعنف الأسري اصطلاحاً : " أي فعل لفظي أو بدني أو إكراه موجه إلى شخص ويتسبب عنه أذى جسدي أو نفسي أو حرمان، ويعمل على وضع الشخص في مرتبة أدنى".

والعنف الأسري الإجرائي  : " أي اعتداء بدني أو نفسي أو جنسي يقع على أحد أفراد الأسرة من فرد آخر من الأسرة نفسها "( العنف الأسري، اليوسف والرميح ونيازي).

سأتجاوز قصة "غصون، وشرعاء، وبيان، وسارة، وغيرهم" الذين أثارت قضاياهم الرأي العام نظراً لجسامتها، ولأن أرواحهم الطاهرة أُزْهِقت على يد أقرب الناس إليهم، لأستعرض صوراً أخرى لهذا الوأد العصري للأولاد ذكوراً كانوا أم إناثاً :

"شاب في السابعة عشرة من عمره، يتعرَّض للتعذيب بالضرب والكي والتقطيع من جسمه بآلة حادة على يد والده، ورغم تدخل أفراد عائلته إلا أنه لم يأبه إليها، فقد أدى ذلك إلى حرق جلد ابنه بالآلة الحادة التي يقوم بتسخينها ثم وضعها على جسد ولده"(جريدة الجزيرة، العدد 13609).

وفتاة في السابعة عشرة من عمرها تقول: " مَنَعني أهلي الذهاب إلى المدرسة دون سبب ، وعندما اعترضتُ ضربوني ضرباً قاسياً، ومنعوني ما أحب، فإذا أردتُ  مشاهدة التلفاز،  يأتي أي فرد من أفراد عائلتي المسلطين لتعذيبي، ويقوم بنزع الجهاز من يدي كانتزاع الطفل من أمه، ويضربني على رأسي المسطح من كثرة الضرب، فأدخل غرفتي وأنا أبكي بكاء شديداً . فإن حملتُ  كتاباً سحبوه مني ومزَّقوه أمام ناظري . وقد بكيتُ يوماً حتى أغمي عليَّ، فلما وعيتُ وجدتُ أهلي قد قيَّدوا رجلي بحبل غليظ، حتى نزع جلد قدمي وأدماها، وأمي ترى حالي هذا ولم تحرك ساكناً "( استشارة وردت إلى موقع المستشار).

القسوة في التعامل مع الأولاد ، وإطلاق الإهانات اللفظية والجسدية ؛ سبب لنضوب العاطفة وتمزيق وشائج القربى بين أفراد الأسرة الواحدة، فضلاً عن أنها مخالفة صريحة لتوجيه حبيبنا صلى الله عليه وسلم حيث يقول : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ ) ( رواه مسلم) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ )( رواه البخاري) .

إن الرفق مطلوب في التعامل مع الجميع ، ومع البنات على الخصوص ، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يُحفِّزنا فيقول : ( مَنْ يَلِى مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ شَيْئًا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) (رواه البخاري) . قال ابن حجر رحمه الله : "وفي الحديث تأكيد حقِّ البنات لما فيهن من الضعف غالبًا عن القيام بمصالح أنفسهن، بخلاف الذكور لما فيهم من قوة البدن وجزالة الرأي وإمكان التصرف في الأمور المحتاج إليها في أكثر الأحوال"( فتح الباري).

ومن دِلالة الرفق والرحمة أن نوظِف همساتِنا، ونظراتِنا، ولمساتِنا، وكلماتِنا، وقُبلاتِنا، وابتساماتِنا، وعناقِنا لأولادنا، فالأسرة لن تحتويهم ما لم تُشبَع أجواؤها بالحبِّ، والملاطفةِ، والألفةِ الجماعيةِ، والعلاقةِ الحميمةِ بين الأبوينِ من جهةٍ، وبينهما معَ الأولادِ من جهةٍ أخرى .

هذا كان هديه صلى الله عليه وسلم مع أولاده، فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: ( ما رأيتُ أحداً كان أشبَه سمتًا وهديًا برسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من فاطمة، كانت إذا دخلتْ عليهِ قامَ إليها فأخَذ بيدِها وقبَّلَها وأجلسَها في مجلسِه وكانتْ إذا دخلَ عليها قامت إليه وأخذتْ بيدِه وقبلَتْه وأجلسَتْه في مجلسِها ) (أبو داود وصحَّحَه الشيخ الألباني) .

إنَّنا أمامَ صورةٍ رائعةٍ من الأريحيةِ، والاشتياقِ، و التقديرِ، والبرِّ، والاحتواءِ، والتَّلَطُّفِ، والريِّ العاطفيِّ، والتربيةِ بالحبِّ. أمامَ صورةٍ دفَّاقةٍ ماتعةٍ، تُؤكدُ الانتماءَ الأسريِّ، وتُؤسِّسُ في أولادنا الثقةَ بالنفسِ، وتُغَذِّيهم حتى الإشباع، هو رِيٌّ عاطفيٌ، وحَنانٌ أبويٌ، ورعايةٌ أسريةٌ، كسِوارٍ في معصمٍ، تحيطُ بصاحبها من كلِّ اتجاهٍ، فلا تجدُ للانحرافِ، أو التفككِ، أو الخلافِ سبيلاً.

في إحصائية ليست حديثة "تشير بيانات التركيب العمري للسكان السعوديين إلى أن نسبة الأطفال في السعودية ممن يبلغ عمرهم 14 عاماً أو أقل تصل إلى " 49.23 %" من إجمالي عدد السكان السعوديين حسب آخر تعداد"( الشرق الأوسط، العدد: 8315) .

هؤلاء هم من سيحملون مهمة بناء بلادهم، وهو من سيرفعون لواء التوجيه والتعليم، وهم أرباب الأسر المستقبلية، وهؤلاء إن كان "العنف الأسري" هو بيئتهم، كما تقول " أ . ب " عن زوجها : "زوجي يضرب أبناءه ضربا مبرحاً، فهو عصبي، وأهله يشجعونه على ذلك، فهم يرون ذلك رجولة!" فإننا سنجد جيلاً مشوهاً مبتوراً مهزوزاً، يكره نفسه، ويعيش بلا ثقة ولا طموح، وقد يتبنَّى أفكاراً سلبية مُحبطة، أو عدوانية متطرِّفة، فضلاً عن إمكانية تقمّصه السلبي للعنف، حيث تصطبغ به سلوكياته، فيكون "العنف" طريقة تعامله مع أولاده وأزواجه في المستقبل.

وكما طالت يد العنف الأولاد ، امتدت أيضاً إلى الزوجات (يقع العنف على الرجال من نسائهم، إلا أنه قليل مقارنة بعنف الرجال على نسائهم).

فحين يعجز العقل عن قيادة المواقف بين الزوجين ، يسرح العنف دون قيود ، وهنا تكون الخلافات والمشكلات ، إذ إن المرأة أكثر طواعية لمَن يشعرها بذاتيّتها وكرامتها، ومن يسلبها ذلك لن تستقيم معه حياة، تقول: "ف.ت" :

"في شهر العسل كنا في منتجع على البحر وكنت ألبس عباءة ساترة على الرأس ، فتح الهواء عباءتي ونحن نمشي على الشاطئ ، وبانت ملابسي ، فقال زوجي لي : حتى البنات " الصايعات " لا يعملن عملك ، صُدِمت وحزنت وبكيت ، إنَّ خُلُقي يأبى عليَ ذلك" .

و"أ.ع" : تقول: "زوجي بذيء اللسان،  كثير الضرب لأتفه الأسباب، يشدني من شعري، يضربني بأي شيء في يده، للأسف حتى مع أن الله رزقنا بالولد لم يتغير، لقد أذاقني مر العذاب، فأيامي كلها بكاء".

إنَّ صور العنف الأسري مع الزوجات يتنوع ليشمل:

الإيذاء الجسدي : وهو كل ما يؤذي الجسد أو يعيق نموه ، مهما كانت درجة الضرر .

والإيذاء اللفظي : وهو كل ما يؤذي المشاعر من شتم وسب وتجريح وامتهان وانتقاص.

وينتج عنهما الإيذاء النفسي، وخصوصاً حين يُستهان بمشاعرهن، وتُخالف رغباتهن، وتُحتقر آرائهن، ويتم التلويح في كل حين بالطلاق أو الزواج من أخرى، أو الحرمان من الخروج من المنزل، أو من زيارة الأهل، أو من النفقة أو المنّ به، وكذا ضرب الأبناء، و الاعتداء على مالها الخاص، أو إلغاء مكانتها أمام أولادها.

إننا في حاجة ماسَّة إلى استحضار المنهج النبوي في التعامل مع من هم تحت ولايتنا ، نراقب الله فيهم ، نستذكر حين تعاملنا معهم قول الحبيب صلى الله عليه وسلم : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى) (صححه الألباني) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) ( رواه مسلم).

وللحديث بقية بإذن الله .

 

الوأد على الطريقة العصرية 2 / 3

الوأد على الطريقة العصرية 3 / 3

 



Share

تاريخ إضافة المقال : 10-2-1431 هـ
 
 
بادر بالمساهمة

 
استطلاع الرأي
هل تؤيد الانجاب في السنتين الأولى من الزواج؟
 
نعم
لا
 للتواصل معنا   
  البريد الإلكتروني


  رقم الجوال
 
 
 
الآراء الواردة في المقالات تعبر عن مواقف كتّابها وليس بالضرورة موقف مشروع ابن باز الخيري جميع الحقوق محفوظة