استشارات مختارة
آخر الأخبار
مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - المعتبر في الكفاءة بين الزوجين مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - article
الصفحة الرئيسية >> المقـــــــالات >> المعتبر في الكفاءة بين الزوجين
 
        المعتبر في الكفاءة بين الزوجين

المعتبر في الكفاءة بين الزوجين

عبد الله الشريف

إن صدور حكم قاضٍ أو أكثر في مسألة مختلف فيها بين العلماء، لا يلغي الاختلاف الذي وقع، ولا يدل على أن ما أخذ به القاضي الذي أصدر الحكم هو القول الأرجح المعتمد على الدليل، وحكم القاضي ولا شك إذا استوفى درجات التقاضي ملزم للمتخاصمين في تلك الواقعة، ولا يلزم غيرهما التسليم به، ويترك الباب مفتوحًا للاجتهاد لا يغلقه حكمه، فكيف إذا كان الاجتهاد قد وقع بخلافه وله أدلة أقوى؟ فمسألة اعتبار النسب في

الكفاءة بين الزوجين ممّا وقع فيه الاختلاف بين الفقهاء منذ نشأة هذا العلم أعني علم الفقه، حتى أنك لتجد في المسألة للفقيه المجتهد قولين يعارض أحدهما الآخر، بقول ابن قدامة في المغنى: (اختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الكفاءة لصحة النكاح، فروي عنه أنها شرط، والرواية الثانية عن أحمد انها ليست شرطًا في النكاح وهذا قول أكثر أهل العلم، والدليل مع مَن لا يرى الاعتبار في الكفاءة إلاّ للدين والخلق لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تُنكح المرأة لاربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك). قال الإمام النووي: الصحيح في معنى هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم

ذات الدين، فاظفر أنت أيُّها المسترشد بذات الدين، ولا اعتبار لغير الدين والخلق في التكافؤ بين الزوجين، حتى لو قال به فقيه مجتهد، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلاّ مَن كان قوله وفعله وتقريره تشريعًا، وهو سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولم يؤثر عنه انه اعتبر النسب شرطًا للنكاح، بل الثابت عنه عكس هذا، وليس الاعتبار لقول الفقيه وإنما الاعتبار للدليل، وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث والافتاء بهيئة كبار العلماء برئاسة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- بأن الصحيح المعتبر في النكاح في الدين لا في النسب لعموم قول الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولما ثبت من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- زوّج فاطمة بنت قيس، وهي قرشية بأسامة بن زيد مولاه -رضي الله عنه-، ولما ثبت من أن زيد بن حارثة مولى النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج زينب بنت جحش وهي أسدية، ولما رواه البخاري والنسائي وأبو داوود عن عائشة أن أبا حذيقة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي، وكان ممّن شهد بدرًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- تبنى سالمًا وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، ولما رواه الترمذي عن ابي حاتم المزني قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا أتاكم مَن ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، ولما رواه أبو داوود عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن أبا هند -رضي الله عنه- حجّم النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليافوخ (الرأس) فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا بني بياضة انكحوا أبا هند وانحكوا إليه) انتهت الفتوى رقم 2513 بنصها، وهذا هو الحق في مسألة كفاءة النسب، فليس وراء الدين والخلق شيء يعتبر في رد النكاح، فليست الكفاءة في النسب شرطًا في عقد النكاح، توجب فسخه إذا زوجت المرأة برضاها ورضي وليها بمَن لا يكافئها في النسب، والعرف والعادة لا يُعمل بهما في مواجهة الأدلة الثابتة من الكتاب والسنّة، فهما من الأدلة المختلفة عليها بين المذاهب، وإنما يُستعان بهما عند غياب الدليل منها، وحتمًا لا ينسخ العرف الحكم الثابت بدليل صحيح، والحقيقة انه لا يثبت في هذا الباب دليل صحيح على اعتبار النسب في الكفاءة بين الزوجين، والمصلحة الشرعية ألاّ يؤخذ بقولٍ مرجوح لا دليل عليه، وفيه ما يوقع أشد الضرر بالزوجين المتوادين وأولادهما -إن كانا قد انجبا أولادًا- فالفرقة بين الزوجين فساد وشر، فلا يلجأ إليها إلاّ بدليل شرعي صحيح، فإذا تم النكاح بعقد صحيح متوافر الشروط والأركان لم يصح أن يفرق بين الزوجين لعدم تكافؤ في نسب، أو صناعة، أو يسار، أو غيرها،

فأن يأتي اليوم مَن يقول: إن القول بالفسخ لعدم التكافؤ في النسب معتبر بغض النظر عن الأدلة الشرعية الكثيرة والمتعاضدة النافية لمثل هذا القول وهو يدّعي العلم يضطرنا أن نقول له: على رسلك فلا تشريع بلا نص، والأشد غرابة أن يزعم أحد أن سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أقر أهل الجاهلية على عادتهم في عدم تزويج غير الكفء في النسب، وكل ميراثه عليه الصلاة والسلام في هذا الباب مناقض لذلك تمامًا أليس هو القائل: (إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب لينتهين أقوام فخرهم برجال أو ليكونن أهون على الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن) وأنزل عليه قول الله عز وجل: (يا أيُّها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبًا) فأكد المعنى بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على اسود ولا اسود على احمر إلا بالتقوى)، وهؤلاء المبررون لمثل هذه الاقوال العارية عن دليل ليبقوا

في المجتمع المسلم مثل هذه النظرة المميّزة بين البشر بغير ما فضّل الله بعضهم على بعضٍ به وهو التقوى، إنما يبثون الفرقة بين المسلمين، والانتصار للقول بأن عدم الكفاءة في النسب سبب مشروع للتفريق بين زوجين، ثم العقد بينهما برضا كل منهما ورضا ولي المرأة وانجبا من هذا الزواج أبناء إنما هو هوى نفس لا يسير مع أدلة الشرع ومقاصده، ولعل مثل هذا يصبح سلاحًا قويًّا بيد من يعضلون النساء ويمنعونهم من الزواج لغايات سيئة، ولعل أيسرها الحصول على بعض اموالهن او كلها إن كن وارثات أو موظفات لهن دخل يطمع فيه بعض الولاة ممّن لا يخشون الله، فيرفضون الازواج بحجة عدم التكافؤ في النسب، فهلّا كف هؤلاء عن مثل هذا؟ فالعالم الحق هو من ينتصر للقول الراجح الذي قام عليه الدليل، وترك القول المرجوح الذي لا يستند إلى دليل، بيانًا للحق وإعراضًا عن الخطأ المؤدي إلى ضرر، فذاك ما نرجوه لكل منتسب للعلم، والله ولي التوفيق.

المصدر جريدة المدينة الاثنين, 1 سبتمبر 2008

 



Share

تاريخ إضافة المقال : 2-9-1429 هـ
 
 
بادر بالمساهمة

 
استطلاع الرأي
هل تؤيد الانجاب في السنتين الأولى من الزواج؟
 
نعم
لا
 للتواصل معنا   
  البريد الإلكتروني


  رقم الجوال
 
 
 
الآراء الواردة في المقالات تعبر عن مواقف كتّابها وليس بالضرورة موقف مشروع ابن باز الخيري جميع الحقوق محفوظة