استشارات مختارة
آخر الأخبار
مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - التماسك الأسري في ظل العولمة - الدويش مشروع ابن باز الخيري لمساعدة الشباب على الزواج - Studies
الصفحة الرئيسية >> دراسات وأبحاث الأسرة >> التماسك الأسري في ظل العولمة - الدويش
 
        التماسك الأسري في ظل العولمة - الدويش

التماسك الأسري في ظل العولمة

ضمن ندوة:  
(الأسرة المسلمة والتحديات المعاصرة)

إعداد : د. إبراهيم الدويش (كلية المعلمين - الرس )

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم
     المقدمة :
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فهذه ورقة أعددتها لأشارك بها في ندوة: (الأسرة المسلمة والتحديات المعاصرة) والتي تعقدها مجلة البيان بالتعاون مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد. والتي حرصت على أن تحمل كثيرًا مما تعانيه الأسرة في ظل العولمة من تفكك وانهيار..، كما حرصت على إبراز جوانب مشرقة من التماسك الأسري الذي تتمتع به مجتمعاتنا الإسلامية وخاصة بلاد الحرمين الشريفين، فظل العولمة. رغم أن العولمة هي واحد من أربع مؤثرات أساسية في العالم كله، والتي ثانيها: التكتلات الاقتصادية الكبرى، وثالثها: ثورة الإعلام والفضائيات، ورابعها: ثورة المعلومات والاتصالات، فلا يجب التغافل عن هذه القضايا الأربع  وتأثيراتها، عند دارسة أي موضوع اجتماعي معاصر .
هذا، وقد وضعت البحث في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة .
وأما المقدمة ففيها مطلبان :
المطلب الأول : التوطئة .
والمطلب الثاني : مدخل في تماسك الأسرة في ظل الإسلام الإسلام .
وأما الفصل الأول ففيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : تعريف مصطلح الأسرة .
والمطلب الثاني : ماذا نعني بالتماسك الأسري ؟.
والمطلب الثالث : تعريف مصطلح العولمة .
وأما الفصل الثاني ففيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : العولمة بين مواجهة تحدياتها، وكسب إيجابياتها .
والمطلب الثاني : العولمة هدف، ولتحقيقه وسائل ظاهرة، وأخرى خفية .
والمطلب الثالث : التماسك الأسري في ظل العولمة بين الإيجاب والسلب .
وأما الفصل الثالث : ففيه مطلب واحد: وهي الآثار السلبية للعولمة على تماسك الأسرة .
وأما الخاتمة ففيها النتائج والتوصيات، وفهرسان: الأول للمراجع والآخر للموضوعات .

 


المقدمة، المطلب الأول :
[] توطئة: رغم تزاحم الأعمال والبرامج في حياتي إلا أني كنت دائمًا أحرص على أن أُكثر من الجلوس مع أسرتي - زوجتي وأولادي-، وبالأخص وقت وجبتي الغداء والعشاء، وأفعل ذلك ليس لقناعتي بأهمية الارتباط الأسري فقط، ولا من أجل أثره الرائع الذي ألمسه على أفراد الأسرة جميعًا، بل من أجلي أنا، فأنا أشعر بعد كل جلسة أسرية بسعادة غامرة تبعث حيويةً ونشاطًا عجيبًا في نفسي طوال اليوم، فينعكس أثره على الإنتاج اليومي والعطاء المثمر...، ودائمًا أتساءل: كيف يمكن أن أُعبر للآخرين عن الأثر الذي يبقيه في نفسي اجتماع أسرتنا الصغيرة وتجاذب أطراف الحديث بين أفرادها، ومشاكسات الصغار وقفشاتهم وضحكاتهم، بل وصرخاتهم، ولا غرابة فالإنسان مفتقر إلى الأسرة المتماسكة في مراحل عمره جميعًا، فالطفل لا بد له من النشأة في أسرة، وإلا نما مبتور العواطف شاذ السلوك. وكذلك يحتاج الإنسان إلى الأسرة شابًّا ورجلاً وكهلاً؛ فهو لا يجد أنسه وسعادته في غيرها، بل لا ترضى فطرته بديلاً عنها، فيظل مفتقرًا أبدًا إلى حماها، متعطشًا إلى عواطفها ومشاعرها([1])؛ فالمشاعر والعواطف التي تنمو في جو الأسرة نعمة ورحمة تقي التعاسة والشقاء، ويجعلها فضلاً من الله كالطيبات من الماء والغذاء، تدبر قول الحق سبحانه : ] وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ( [النحل:72].
إن التماسك الأسري داخل الأسرة يؤدي إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي لأفرادها، ويجنب الشباب الانحراف الفكري والأخلاقي، والقلق والاكتئاب، ويساعدهم على زيادة تحصيلهم الدراسي، ويجعل هذه الأسرة تتفاعل مع الأسر الأخرى في المجتمع، فالتماسك الأسري رابط قوي من روابط لَبنات المجتمع الإسلامي، فبدونه تنهار الأعمدة والأسقف. وهو السبيل الوحيد لبناء أسره سعيدة. وله دور كبير في الاستقرار النفسي والذي ينعكس على حياة كل فرد فيها. فيكون سعيدًا ناجحًا، وفردًا بناءً إيجابيًّا في المجتمع .
المقدمة، المطلب الثاني :
[] مدخل في تماسك الأسرة في ظل الإسلام :
الكلام هنا يطول؛ لكن يمكننا القول بكل ثقة ويقين واعتزاز: إنه ليس في الوجود دين نظم حياة الناس الأسرية واهتم بحل مشاكلها كدين الإسلام الحنيف، حيث شرع لها من الأحكام والتشريعات والنظم ما تحافظ به على تماسكها وترابطها، ويوصلها إلى السعادة والطمأنينة والأمان في الدنيا، ويحميها من الشقاء الأبدي في الآخرة بإذن الله تعالى، وهذا الاهتمام والحرص نابعان من الوعي بمكانة الأسرة الفطرية والتربوية؛ حيث إنها :
- أصل راسخ من أصول الحياة البشرية، وضرورة لا يستغني عنها شعب ولا جيل، وهي الحصن الطبيعي الذي يتولى حماية البراعم الناشئة ورعايتها، وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها .
- وفي ظلها تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة .
- وهي الصورة الطبعية للحياة المستقرة التي تلبي رغائب الإنسان، وتفي بحاجاته، والقلب النابض للمجتمع إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع .
- وهي وحدة البناء في جسم أمتنا، ومجمع فكرها وقيمها، وعنوان هويتها ونموذجها الحضاري.  
- وهي اللبنة الأولى التي يقوم عليها المجتمع، والكيان الصحي الذي ينشأ فيه الفرد ويتربى في ظله.
- ويبدأ اهتمام الإسلام بالأسرة من وقت مبكر جدًّا قبل إنشائها؛ حيث يحث الإسلام على اختيار الصالح من الأزواج والزوجات، وتغليب جانب الصلاح والخلق على سائر الجوانب، وقد جاء هذا في عدد من النصوص؛ منها :
ما رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ )) متفق عليه([2]).
وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ )). وحسنه الألباني([3]).
- ويهتم الإسلام بالتواصل والترابط بين أفراد الأسرة، كما في قوله تعالى: ) وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ( [الرعد: 21].
- وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )).
- وجعل التواصل سببًا للبركة في الرزق والعمر، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: قالصلى الله عليه وسلم: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) رواه الشيخان.
وهذا المدخل دليل واضح ومهم جدًّا في الرد على الذين يقولون: إن الأسرة هي: عبارة عن نمط اجتماعي تاريخي وتقليدي يمكن تغييره؛ ويبدو أن هذا ما تفهمه الكثير من الهيئات الغربية والتي تحاول فعلاً تغيير هذا النمط بما يناسب واقعها وحضارتها المعاصرة ؟!.
وخلاصة القول: أن الإسلام أقام نظام الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع؛ فهو يقوم على أمتن الروابط، وعلى أقوم الدعائم، في أسمى ما يتطلع إليه البشر، متى ما التزم الناس به وساروا على هديه استقرت أمورهم وسعدوا، وعاشوا في أمن وأمان .
لكن الواقع والشواهد والأرقام تؤكد – وللأسف – على وجود بدايات خطيرة للتفكك والانهيار الأسري في مجتمعاتنا الإسلامية بتأثير النظام العالمي الجديد المسمى بـ( العولمة أو الشوملة، أو الكوكبة)، إذًا فما المقصود بمصطلح العولمة ؟ وما المقصود بمصطلح الأسرة وتماسكها ؟
 


الفصل الأول: وفيه ثلاثة مطالب :
المطلب الأول :
    [] تعريف مصطلح الأسرة :

الأسرة هي: تركيبة اجتماعية من رجل وامرأة مرتبطان بعقد زواج شرعي مكتمل الأركان، يسكنان في مسكن واحد، قد يكون بينهما أولاد يتفاعلون مع بعضهم، مشتركون في ثقافة واحدة.
وقيل : أسرة الإنسان: عشيرته ورهطه الأدنون، مأخوذ من الأسر، وهو القوة، سموا بذلك لأنه يتقوى بهم، وقيل: الأسرة : عشيرة الرجل وأهل بيته، وقال أبو جعفر الناس: الأسرة أقارب الرجل من قبل أبيه([4]).
ولفظ الأسرة : لم يرد ذكره في القرآن الكريم، وكذلك لم يستعمله الفقهاء في عباراتهم فيما أعلم، والمتعارف عليه الآن إطلاق لفظ الأسرة على الرجل ومن يعولهم من زوجه وأصوله وفروعه، وهذا المعنى يعبر عنه القرآن وكذلك الفقهاء في مؤلفاتهم قديمًا بألفاظ منها: الآل، والأهل، والعيال([5])، قال تعالى:)فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ([الشعراء:170]، وكقول الفقيه النفراوي المالكي: مَنْ قال: الشيء الفلاني وقف على عيالي، تدخل زوجته في العيال([6]).
     وقد جاء في الموسوعة الحرة (ويكيبيديا([7])) توضيح لمفهوم الأسرة حيث قالت: "هي الخلية الأساسية لبناء المجتمع تتكون من أفراد تربط بينهم صلة القرابة والرحم، تساهم الأسرة في النشاط الاجتماعي في كل جوانبه المادية والروحية والعقائدية والاقتصادية" .
المطلب الثاني
[] ماذا نعني بالتماسك الأسري؟:

التماسك الأسري هو: صلة الربط الوثيقة بين أفراد العائلة الواحدة، بدايةً من ربِّ الأسرةِ وربتها، أي: بين الزوجة وزوجِها، وبين الأبِ وأبنائِه وبناتِه، وبين الأمِّ وأولادِها، سواءً كانوا ذكورًا أو إناثًا، كبارًا أو صغارًا؛ ليكون بين أفراد الأسرة عمومًا مجالسة وتواصل، ومودة وتراحم .
وأما التفكك فيتجلى معناه في لفظه وحروفه، فهو لا يأتي فجأة بل شيئًا فشيئًا، كأنه كتلة واحدة فتفككت عروةً عروةً عبرَ مراحل عدة حتى تتلاشى هذه الكتلة تمامًا فتنهار، والعقلاء يدركون أن هناك علامات وقرائن ومقدمات للتفكك الأسرة .
المطلب الثالث
[] تعريف العولمة:

العولمة عرفتها الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) بقولها:" العولمة تعني: جعل الشيء عالمي الانتشار في مداه أو تطبيقه.( أو جعل الشيء دوليًّا) أي جعل الشيء مناسبًا أو مفهومًا أو في المتناول لمختلف دول العالم. وتمتد العولمة لتكون عملية تحكم وسيطرة ووضع قوانين وروابط، مع إزاحة أسوار وحواجز محددة بين الدول وبعضها البعض"ا.هـ باختصار وتصرف.
     وهناك تعريفات أخرى للعولمة، فكل يفسرها من زاويته التي ينظر إليها، وبناءً على خلفيته الثقافية وتخصصه، ومهما كان الأمر فإن العولمة مرحلة واقعية نعيشها في الوقت الراهن، ولو كانت العولمة تتحرك في مسار التفاعل بين الشعوب المختلفة في تبادل الثقافات والخبرات، لما كانت مثار جدل ورد، لكنها تتحرك في اتجاه واحد، من الغرب إلى الشرق ودول العالم الثالث، ولا شك أن الأقوى هو من يفرض أجندته على الأضعف، وهذا ما يؤكده الواقع المشاهد والمحسوس، "..ولا ينبغي الخلط هنا بين قبول المرء لثقافة عالمية نجمت عن تلاقح ثقافات متنوعة ومتعددة وتحظى بقيم إنسانية خالدة، مثل: العدل والمساواة والحرية والصدق والأمانة وغيرها، وبين فرض ثقافة معينة على العالم كله وتصديرها، أو الإدعاء بأنها هي وحدها الثوابت العالمية التي ينبغي إتباعها دون قيد أو شرط، ودون تحوير أو تعديل، فبقدر ما يمكن أن نتقبل التأثير الايجابي لثقافة العولمة، نرفض بنفس القدر والقوة تأثيرها السلبي..مع أنه في ظل الأزمة العالمية الاقتصادية الحالية ربما نشهد عوامل ومؤشرات تُضعف العولمة، أو تؤدي لاضمحلالها، بل إن هناك قوى سياسية واقتصادية تعمل على إلغاء فكرة النظام العالمي آحادي القوى، وتحويله إلى نظام سياسي متعدد القوى والتكتلات
 الاقتصادية" ([8]) اهـ بتصرف.      
           
الفصل الثاني : وفيه ثلاثة مطالب
المطلب الأول

[] العولمة بين مواجهة تحدياتها، وكسب إيجابياتها :
ليس هناك شر محض؛ فالعولمة لها إيجابيات يجب أن نعترف بها، وأن نستثمرها، وإن كنا نقول: إن العولمة أصبحت واقعًا معاشًا الآن فلا يعني هذا الاندفاع وراءها دون بصيرة، أو الاستسلام لها، أو الدفاع عنها، بل يعني الاستعداد لمواجهة تحدياتها وآثارها السلبية، ومسايرة التقدم العلمي والتكنولوجي، والإفادة من كل ما تتضمنه العولمة من جوانب إيجابية تغذي الصلات والروابط بين شعوب الأرض، أو تدفع بإرساء قواعد السلام والحرية والعدالة وحقوق الإنسان. فإن واقعية العولمة تعني التفاعل مع الحضارات والمدنيات الأخرى من حولنا، مع المحافظة على الثوابت والهوية في محاولة واعية للموازنة بين "المحلية" و "العالمية"، حيث إن من وصف العولمة أنها زمن التحولات والتغيرات السريعة لتعميم الاتجاهات والقيم والسلوكيات والممارسات على المستوى الكوني في شتى مناحي الحياة البشرية.. ([9])، ولا شك أن خطوات التحدي والاستهداف المعلن والتي ربما وصلت لحد الاستفزاز، حركت الغيرة والعزائم في النفوس، فكانت ثمرات وخيرات، ومنها :
- انتشار أجهزة التقنية والاتصال ومعرفة التعامل معها ووصولها إلينا، وخداماتها لنا في تسهيل كثير من اتصالاتنا وأعمالنا وحراكنا الحياتي الدائب، حتى أصبحت جزء أساس في حياتنا، بل الكثير لا يمكن أن يستغني عنها .  
- أنها ساهمت لدى البعض بإيقاظ الوعي لديهم، والاستمساك بالقيم الإسلامية والعلاقات الأسرية عن قناعة ورغبة.
- بدأت الكثير من العقول الناضجة في استثمار التقدم العلمي لصالح دينها وثقافتها، وأصبح لها دور عبر عدد من
الوسائل والمشاريع والبرامج التنموية الحديثة في تحذير وتوعية شعوبنا وأجيالنا بمخاطر العولمة، والتوجيه لكيف يتم توظيفها واستثمارها فيما ينفعنا وينفع أمتنا .
- التحرك الملموس للمؤسسات التربوية والتعليمية والتي تشمل: (البيت، والمدرسة، والمسجد، والإعلام) كخطوط دفاعية أساسية لحماية الأسرة المسلمة، والتي أتمنى أن تَحذر من الانشغال والإغراق في الآثار المترتبة للعولمة، وأن تَحرص وتبادر في بحث وعلاج الأسباب المنشئة، والبدائل المناسبة.
كما أن شر العولمة يتبين من التعريف السابق في قوله:"...وتمتد العولمة لتكون عملية تحكم وسيطرة ووضع قوانين وروابط، مع إزاحة أسوار وحواجز محددة بين الدول وبعضها البعض"، ومن أجل قياس هذا المؤشر المذكور في التعريف، وما حقيقة هذه السيطرة والتحكم ووضع القوانين على الأسرة المسلمة وكيانها، فتعالوا ننظر للعولمة كهدف يراد تحقيقه..وكيف؟ وهل هو خير أم شر؟     
 
المطلب الثاني:
[] العولمة هدف، ولتحقيقه وسائل ظاهرة، وأخرى خفية :

أما الوسائل الظاهرة فما نشاهده ونعيشه من انفجار إعلامي وتقني من التكنولوجيا المتقدمة ووسائل الاتصال والإعلام والقنوات الفضائية والشبكات العنكبوتية وغيرها من الوسائل المتاحة لتحقيق المراد من "تكوين القرية العالمية" ذات صبغة واحدة، وقانون واحد، وثقافة واحدة، وهي وللأسف ثقافة مادية بحتة منبثقة من تصور يقول: إن الكون ما هو إلا ميدان تنافس على المصالح الدنيوية، "والإنسان حيوان دائب البحث عن ملذاته وشهواته ومنافعه، وليست الحياة سوى فرصة قصيرة لا ينبغي أن تضيع في غير اللذة والشهرة والجنس والمال والثروة والجمال، وليس وراءها شيء آخر؟!"([10])، ) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ( [الروم: 7].
وهذه الأفكار أصبح لها سوق رائجة تموج كموج البحر عبر تلك الوسائل المذكورة، وبطبيعة الأدلة الكونية فإن الغلبة للقوي، ولأنه هنا هو الغرب، فطبعي أن يسود النمط الغربي في حياته الاجتماعية على قوانين العولمة ومتطلباتها وقراراتها، والتي يطالبوننا بها كمجتمعات شرقية، بل ويسعون لفرضها عبر تلك الوسائل الحديثة المتنوعة وبرامجها .
وربما ساهم البعض منا بوعي أو بلا وعي في تحقيق أهداف هذا النمط الغربي بخيره وشره، فبدل أن يُسخر الحضارة الحديثة والانفتاح واتساع التقنية والإعلام للخير ولأهدافه النبيلة وحضارته الإسلامية، ربما ساهم بقلة وعيه، أو بغلبة شهوته وهواه، أو بطمعه وجشعه بسيادة العولمة بكل سلبياتها على حياته وتجارته وأفكاره، وربما كان نخبويًّا مسئولاً ومؤثرًا في مجتمعه فينعكس ذلك في الكثير من قراراته وطموحاته كما نرى ونسمع، وأقرب مثال رجال الأعمال الذين يملكون الإعلام العربي عبر قنواتهم الفضائية ومشاريعهم التجارية وتأثيرها في مجتمعاتهم. والتي أجزم أنه ليس لديهم رؤية ولا رسالة أو سياسة إعلامية واضحة لقنواتهم في عالمنا العربي والإسلامي، وإنما هو طلب الربح والثراء ولو كان على حساب انهيار أخلاق شباب أمتهم، وتفكك أسر مجتمعهم .
فمثلاً "فالمسلسل التركي المدبلج إلى العربية " نور ومهند"، وهو مائة وخمسون حلقة، وقد بثته عدد من القنوات العربية، وشاهده قرابة الثمانين مليون مشاهد، حسب إحصائية بعض القنوات، والذي يحمل للمشاهد النمط الغربي بكل سفاسفه ونتنه، من ملابس فاضحة لأبطاله من الجنسين، وسلاسل وحلقات أنف، وقصات شعر، هذا في المظهر، وأما الأفكار فيكفي الفكرة التي مدار حلقات المسلسل عليها مهند وعشيقته التي لم يتزوجها بل ظل يتردد عليها حتى بعد زواجه من نور، وابنه غير الشرعي، بل المسلسل كله يعرض هذه الصداقات والتي تنتهي بإنجاب الأولاد خارج مظلة الزواج، وما يحكيه من مشاهد تعج بفواحش وتفسخ لا حد له..؟!!. وقد ظهرت الكثير من آثاره على الشباب المراهق من الجنسين من خلال الحديث المتواصل عنه، ومحاكاة أشكال وأفعال أبطاله؟!.."ا.هـ بتصرف واختصار([11]).
وأما الوسائل الخفية لعولمة العالم؛ فأبرزها توصيات بل قرارات تلك المؤتمرات سواء عن الأسرة أم غيرها، والتي في كثير من الأحيان لابد للدول الأعضاء من التوقيع على ما أسموه: " تقليص مدى التحفظات لهذه الاتفاقية، وسحب كل التحفظات التي تعارضها موضوعاً وهدفاً، أو التي تخالف القانون الحاكم للاتفاقات الدولية" كما جاء في قرارات مؤتمر نييورك لعام2000للميلاد([12]) والذي يدعو صراحة لإلغاء مفهوم الأسرة القائم على ارتباط الرجل والمرأة بميثاق شرعي إلى اعتباره متحققًا من خلال أي ارتباط بين أي رجل وامرأة ولو بلا ميثاق ولا عقد شرعي، بل لا مانع أن تكون العلاقة شاذة أي بين رجل ورجل، وبين امرأة وامرأة بحجة الحرية الجنسية، والمطالبة بالحقوق الفردية، وتشريع حقوق دولية للشواذ من الجنسين..؟! ويُحمى ذلك كله باسم النظام وقوة القانون، والذي ترعاه القوى العالمية بهيئاتها ومؤسساتها، وهكذا فالكثير من المؤتمرات التي تقيمها منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونسكو) تتخبط - وللأسف- في سنِّ قوانين همجية، تتصادم مع الفطر السليمة، والعقول النظيفة، وتحت مسمَّى تنظيم الأسرة والأحوال الشخصية..، وهي تفكيك للأسرة، وتحطيم لكيانها ولأسسها الشرعية .
والمراقب للأحداث يعلم أن هناك مخططًا لهدم أركان الأسرة المسلمة، ولا أظن العاقل الواعي نسي الضجة حول قانون الزواج المدني في لبنان، وقانون جرائم الشرف في الأردن، والزواج العرفي في مصر، وقانون الأحوال الشخصية في المغرب، ثم تقرير "قاصرات للأبد" عن المرأة في هذه البلاد المباركة، وكل ذلك باسم حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحرية والتنمية..!!
مواضيع خلابة وعناوين براقة ظاهرها فيه الرحمة..، لكنها تحمل لمجتمعاتنا الإسلامية الشقاء والتفكك والانهيار، ويكفي أنها مخالفات صريحة لأصول الفطرة والشريعة([13]).
" لقد خلقت العولمة واقعًا جديدًا للهيكل والنسق الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، سواء على مستوى الأسرة أو مستوى شرائح ومؤسسات المجتمع، أو على مستوى العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة. كما أنها أصبحت تهديدًا حقيقيًّا للهوية الثقافية والانتماء الوطني أو المحلي، وعاملاً رئيسًا في هجران الإرث الحضاري القومي المبني على تاريخ الأمم وحضاراتها وأمجادها"([14]).
 
المطلب الثالث:
[] التماسك الأسري في ظل العولمة بين الإيجاب والسلب:

أولاً يتبين من خلال دراسة حياة النبي صلى الله عليه وسلم داخل بيته، ومعاشرته لزوجاته رضي الله عنهن، وإرشاده للمؤمنين أن الأكدار والمواقف الساخنة في الحياة الأسرية لا يخلو منها بيت، وليست الأسرة السعيدة المتماسكة هي التي تخلو من مشاكل، بل هي التي تعرف طريقة احتوائها وسبل حلها وتخفيف آثارها، وكم هي الأحاديث التي تحكي لنا حكمة وحنكة النبي
e في الإرشاد والتوجيه، والتعامل مع المشاكل الأسرية، حتى كانe شديد العناية بالمشاعر وفهم النفسيات، ومن هذا المنطلق لعلي أبدأ بالجانب المشرق وأنظر متفائلاً إلى القسم الممتلئ من الكوب كما يقال، وأشيد بالترابط الأسري الجميل الذي ما زلنا نتفيؤ بظلاله، وننعم بخيراته وهباته، فالخير باق في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والحق يقال: إن تماسكنا الأسري وإن تأثر كثيرًا بشكل سلبي بالعولمة إلا أنه ما زال يتمتع -ولله الحمد- بصلابة كبيرة وتماسك رائع قلَّ نظيرها في أي مجتمع آخر، بل يحسدنا عليه الكثير ممن فقدوها من أمم الغرب والشرق على حدٍّ سواء، ولا يقدر المرء قدر هذه النعمة إلا إذا عايش ما يعانيه الغرب ومن حذا حذوه من المجتمعات؛ من تفكك أسري، وتمزق خلقي، وانحلال وتفسخ، وفساد وشر..، فهم يعيشون حياة أشبه بحياة حيوانية فارغة عن كل القيم الروحية والخلقية..ولا أريد أن أستطرد في ذكر الأمثلة والشواهد، فهي أوضح من الشمس في رابعة النهار، وأكثر من أن تُحصر وتُعدُّ، أذكر لكم مثالاً واحدًا سمعته بنفسي في صيف هذا العام عندما كنت في بريطانيا، عن عجوز بريطانية طاعنة في السن كانت تنتظر بفارغ الصبر والشوق أن تجد بطاقة تهنئة وتقدير وحب بمناسبة عيد الأم من قِبَل ابنها الذي لم تره من ستة أشهر كما تقول، والمفاجأة - كما يقول الراوي الذي يسكن عندها لدراسة اللغة– أن تبين له من خلال كلامها أن الابن يسكن في الشارع الذي تسكن فيه، وأنه ليس بينها وبينه سوى عدد من المنازل، إلا أن هذا الحلم تلاشى بمرور أيام عيد الأم دون وصول أي بطاقة لها، مما جعل الأخ يرأف بحالها مما رأى من شدة حزنها، ويذهب هو بنفسه لأقرب محل ليشتري بطاقة لها ويكتب عليها عبارات الحب والتقدير لها باسم ابنها ثم يضعها بصندوق بريدها، ولا تسل عن فرحتها وسعادتها لما وجدت تلك البطاقة ..؟!! وبدون تعليق!!
أما نحن في بلادنا كمسلمين وخاصة هنا في المملكة العربية السعودية :
- فكم هي المناسبات واللقاءات والزيارات بل والرحلات - يومية وأسبوعية وشهرية وسنوية - تلك التي تجمع أفراد الأسرة والعائلة وفي مناسبات مستمرة ومتعددة .
- وكم هي الهدايا والمساعدات والإعانات والصدقات مالية وعينية والتي تتواصل بها الأسر وعلى مدار الأيام وليس السنوات.
- وكم هي اللجان التنموية الأسرية والبرامج العائلية ومراكز الاستشارات الهاتفية ولجان إصلاح ذات البين وتيسير الزواج..ونحو ذلك مما هو منتشر في ربوع البلاد، والتي لها آثار مباركة في التماسك الأسري، وتخفيف الآثار السلبية للعولمة العمياء.
لكن هذا الجانب المشرق وتلك الايجابيات الجميلة لا يجب أن تحجب عنا الجانب الآخر المظلم، والذي يشهد له الواقع والوقائع في المحاكم ومراكز الشرط والهيئات والسجون، والبحوث والدراسات والتحقيقات الإعلامية والصحفية، في الآثار السلبية للعولمة على تماسك الأسرة .


  الفصل الثالث:
 في الآثار السلبية للعولمة على تماسك الأسرة ، وفيه ثلاثة مطالب :
 المطلب الأول:

[] التأثير السلبي للعولمة على تماسك الأسرة فكريًّا :
أولاً - من الآثار السلبية للعولمة : تأثير مفهوم الزواج، والذي يختلف باختلاف الحضارات، لكنه غالباً عبر وسائل الإعلام لا يُنقل سوى المفهوم الغربي للزواج، أو النُسخ العربية منه، والتي لم يختلف فيها المحتوى سوى أنها أصبحت بلسان عربي، وهذه مشكلة في حد ذاتها؛ فالوسائل الحديثة كالفضائيات والإنترنت تركز دائمًا على أن المرأة مظلومة ومقهورة، وتطالبها بأخذ حقوقها، وهذه فلسفة تُعرض بشكل يومي وينظر إليها الجميع مما يؤدي إلى التنازع على القوامة في الأسرة، وبالتالي كثرة المشاكل ثم تفككها وتشرد الأبناء. كما أن الاتجاه العالمي يصبو نحو إلغاء كلمة (زوج)، وإحلال لفظ (شريك حياة) بديلاً عنه، وشريك الحياة ليس بالضرورة أن يكون بينك وبينه عقد في نظرته وفلسفته، ومصطلحات أخرى يحاولون ترويجها. وقد تم عقد العديد من المؤتمرات العالمية التي أجمعت على حرية الإنسان في الجنس، وكان آخرها مؤتمر التنمية والإسكان في القاهرة([15]) .
ثانيًا – تأثر مفهوم القوامة والولاية الشرعية لرب الأسرة على أولاده وتأديبه لهم وتوجيههم، فهي في نظر العولمة ليست إلا تضييقًا على الحرية الفردية وحرمانًا لها، وإلى مثل هذا المعنى يشير تقرير"قاصرات للأبد"[16]، فالقصد واضح من العنوان!، فالولاية والقوامة الشرعية تعتبران في نظرهم تدخلاً في الخصوصيات، كما في الغرب إذ لا يمكن أن يعترض الرجل - مثلاً - على ابنته التي تخرج مع من تشاء، وتصادق من تشاء، بل وأن تحمل حملاً خارج نطاق الزوجية.. فليس للأب أي سلطة ورقابة عليها، وإذا اعترض فالسجن ينتظره، وسيف القانون والعقوبات مصلت على رأسه، فلم يعد له أي سلطان على أولاده، فليس له أن يأمرهم وينهاهم، وربما قال قائل: هذه هي حياتهم ونمطهم الاجتماعي، فنقول: لا بأس! لكن المشكله أن هذا النمط هو ما يراد عولمته وتعميمه، وهذا ما تبثه ليل نهار وسائل العولمة عبر برامجها وأفلامها، بل وقرارات مؤتمراتها.

  المطلب الثاني :
[] التأثير السلبي للعولمة على تماسك الأسرة اجتماعيًّا :
أولاً - كثرة المشاكل الزوجية والأسرية الظاهرة الناجمة من الانفتاح السلبي، والتي بدأت تطفو وتظهر على السطح بشكل مخيف ينذر بشر ، كما أن المشاكل الزوجية الساكنة كخلايا نائمة تقلق ذوي الاختصاص الأسري، فكلنا يعرف طبيعة الأسرة السعودية التي هي أصل المجتمع السعودي المحافظ، فالأمور فيها تظهر هادئة ساكنة، حتى فجأة تطفو المشكلة على السطح وربما بشكل انفجاري بركاني.
هذه زوجة تقول: "..أنا امرأة متزوجة، ولكنني أشعر بالوحشة في بيتي؛ فزوجي لا أراه إلا لمامًا، ولا أسعد به كما تسعد الزوجات بأزواجهن، وذلك لما يعيشه زوجي من فوضى وأنانية، فساعات عمله ونومه، وسهره مع أصحابه، تمنعني من رؤيته والأنس به، والجلوس مع أولاده، فهو يذهب في أول النهار إلى عمله، ولا يأتي إلا قبيل العصر، ثم يتناول غداءه، ثم يصلي العصر، وبعدها ينام حتى صلاة العشاء، ثم يذهب بعدها إلى أصحابه في الاستراحة؛ ليسهر ويأنس بهم، ثم يأتي في ساعة متأخرة من الليل، وقد نام الأولاد بعد طول انتظار، تمر الدقائق والثواني ثقيلة، أشعر في هذه اللحظات بأرق ووحشة، انتظر متى يُفتح الباب ليدخل علينا الأب المنتظر فيرمي بجسده ليغط في نوم عميق! ما أقساها من لحظات! نعم- واللهِ- ما أقساها من لحظات! وما أملها من حياة! هذا هو برنامجنا اليومي، فكيف أحلم بحياة زوجية سعيدة؟ وكيف سنعلم أولادنا ونربيهم؟ و الهموم تطاردنا، والوحشة تقتلنا، حياتنا لا يعلم بها إلا الله، فإلى الله المشتكى" اهـ كلامها، وبقي مئات الشكاوي والآهات، لدى الكثير من الزوجات.
ثانيًا - بتأثيرات العولمة السلبية أصبح كثير من الأزواج والزوجات لا يحترمون رباط الزواج الشرعي، والميثاق الغليظ، ويلجئون إلى الطلاق لأتفه الأسباب، فقد زادت نسبة الطلاق في ظل المتغيرات العالمية، وصارت الأرقام مخيفة، فمثلاً معدلات الطلاق في منطقة الخليج أخذت تتزايد بوتيرة سريعة للغاية، فقد أعلنت دراسة بحثية قامت بها الدكتورة: نورة الشملان من مركز الدراسات الجامعية للبنات، أن معدلات الطلاق في المملكة ارتفعت من 25% إلى 60% خلال الـ20 عامًا الماضية، وهو رقم مقلق للغاية([17])، ورغم تحفظي على الطريقة التي تُحسب بها مثل هذه النسب والأرقام والتي تعطي تضخماً غير طبيعي لظاهرة الدراسة المعنية، إلا أن الطلاق يعتبر أكبر خطر يهدد الأسرة، فمشاكله كثيرة لا تنتهي من انحرافات أخلاقية ونفسية وأمنية واقتصادية لا نهاية لها، وسرعة علاج ظاهرة الطلاق أو تقليلها وقاية للمجتمع من شرور كثيرة. وقد كان في الماضي يعتبر شيئاً نادرًا وقليلاً، ولكنه الآن أصبح شيئاً عاديًّا ومتوقعًا في كثير من حالات الزواج الجديدة وللأسف، فماذا حدث ؟! .
ثالثًا - البيوت الفندقية، ظاهرة عصرية، فقد أصبحت الكثير من البيوتات أشبه بفنادق للإيواء في أوقات الراحة فقط!! فهي جميلة بمناظرها وأشكالها وحدائقها، وتوافر الخدمات فيها، لكن سكانها لا يرون بعضهم بعضاً إلا لمامًا، حتى على وجبات الطعام فلكل منهم فيها موعد، وربما يتم توصيلها من قبل الخادمة كطلبات للغرف الخاصة، والتي يعيش فيها ذلك الفرد عالمه الخاص به، ولا غرابة فهي نتيجة طبيعية في ظل هذا الركض المحموم لكل أفراد الأسرة ذكورًا وإناثًا.    
فهذه إيمان فتاة تعيش في بيئة مرفهة ماديًّا لكنها لا تجد الحنان من الأم المشغولة بزياراتها الكثيرة، والأب المسافر دومًا، تقول: اكتبوا عن الأغنياء فبيوتهم أكثر تفككًا من الفقراء على أغلب التقديرات،أولاد الأغنياء لا ينتمون لأسرهم سوى بكنية العائلة، وقد لا يجتمعون على سفرة واحدة لوقت طويل وطويل.
رابعًا - ظاهرة الخادمات المربيات للصغار، والسائقين المكلفين ليس بالقيادة فقط، بل حتى برعاية الأولاد وأهل البيت كلهم، ومتابعة احتياجاتهم، وربما حل مشاكلهم وهمومهم..؟! فالوالد العزيز مشغول بعمله وتجارته، وبسمره وسهره وسفره وجلساته. وكذلك الأم الحنون بوظيفتها، ومناسباتها. فهذه الظاهرة وإن كانت موجودة قبل العولمة إلا أن العولمة كبرتها وضخمتها وأعطتها دفعًا قويًّا، وأقلقت المربين والمربيات، وحارت في أمرها المؤسسات التربوية، بحيث تجد من الناس من ليس بحاجة إلى خادم ولا سائق إلا أنه حريص أن يأتي بهم مجاراة ومسايرة للآخرين، وإن كان كاهله لا يتحمل نفقاتهم، مع أن المشكلة ليست فقط في مجرد النفقة، بل في توليتهم مسئوليات الأولاد مكان الأب والأم .
هذه فتاة تقول: إنني في العشرين من عمري، لم أشعر يومًا من الأيام بحنان أمي، أو عطف أبي الذي يعمل طول النهار، ويقضي الليل في الاستراحات، وأمي مدرسة، وتصر على العمل وترك البيت، وهي لا تدري، تهملنا وتتسبب في خراب أسرتنا، وقد وصل بهما الأمر أنهما لا يسألان عن أحوالي أبدًا، لقد أصبحت تائهة وسط مشاغل الأبوين، لا أجتمع معهما على مائدة الطعام إلا قليلاً، أشعر أنني في مستشفى، أو في دار إيواء، إنها بيئة صعبة تؤرقني وتجعلني حزينة دائمًا، فمن ينتشلني منها... إلخ كلامها .
وفتاة أخرى تقول: "...أمي في وادٍ، وأبي في واد آخر، رغم توفير كل ما أتمناه، لكنهم لم يكلفوا أنفسهم ساعة في الأسبوع لمناقشتي في حالتي النفسية، ومشاكلي التي أتعرض لها؟! أنا في حاجة ماسة للكلام والنقاش مع والدي حتى أشعر أنني فرد فعال في الأسرة، خصوصًا وأنني في سن المراهقة؛ فأنا بحاجة لمن يسمعني ويرشدني برفق. والدي مشغول في أعماله ومشاريعه؛ فهو إما بائع، أو شار، أو رابح، أو خاسر ...، فهمُّه كيف يوفر المال لنا، وفي وقت جلوسه في البيت بيننا لا يفكر إلا براحته، وكيف يكون الطعام جاهزًا له، والفترة التي يقضيها معنا قد تكون كلمات سريعة وعابرة، يلومونني في اتجاهي لصديقات السوء، ماذا أفعل؟ لا أجد أحدًا أكثر اهتمامًا بي منهن، يقفن معي في وجه كل مشكلة، ويواسينني في كل محنة، فوالداي متجاهلان تمامًا لحاجاتي العاطفية والنفسية، وهما لا يحسبان لوجودي أي حساب، بل انصرفَا إلى توبيخي وإهانتي، مما سبب لي اللجوء للمعاكسات الهاتفية، وإهدار الوقت في متابعة الأفلام العاطفية..".إلخ رسالتها .
خامسًا – الإغراق في الجانب الاقتصادي العائلي، وانشغال الأبوين في العمل الوظيفي وطلب الرزق وشدة المعاناة المالية، يصحبه استهلاك عائلي محموم، إضافة إلى ضيق مصطلح ومفهوم عمل المرأة الأممي وانتشاره، والذي لا يرى أن عمل المرأة في بيت زوجها، أو في مزرعة والدها مثلاً عملاً شريفاً وإن تقاضت مقابل ذلك حقًّا ماديًّا، بل يراه هضمًا لحق المرأة وحبسًا لها، مما أفضى لخروج كثير من النساء من بيوتهن للعمل الوظيفي ولو على حساب الوظيفة الرئيسة لها من رعايتها وعنايتها لبيتها وأولادها وزوجها، تدبروا وتأملوا في التشبيه! والتعبير الدقيق في قولهصلى الله عليه وسلم :(( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ))([18]). فهي قطعًا ليست أسيرة، ولكن لما كانت قاعدة انطلاقها ومركز عملها البيت شُبهت بالأسير، وليس في هذا تنقيص لشأن المرأة ولا تقليل لدورها في الحياة، فإن مسؤولية المرأة في بيتها لا تقل عن مسؤولية الرجل في خارجه، بل تفوقه .    
                     والأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعبًا طيب الأعراق
ولكن هذا الدور الريادي للمرأة لم يأخذ حقه من التوضيح والبيان، والتشجيع عليه لا من قِبَلِ وسائل الإعلام كتوعية وتثقف، ولا من قبل الجهات المعنية خاصة في الدول الإسلامية، بل على العكس..؟!!، كما أنها – الحكومات والدول الإسلامية- تخلت عن دعم الأسرة كمؤسسة تربوية لها أثر كبير في توطيد الأمن والاستقرار . إذًا فهذا المفهوم بحاجة ماسة إلى إبرازٍ إعلامي يُعلي من قيمته، حتى لا يظل في الأذهان دور الأسرة خاصة الأم مرتبطًا بالكنس والطبخ والغسل فقط.. كما يروجه المغرضون، بل هو إدارة لأخطر مؤسسة لبناء المجتمعات الحضارية .

 المطلب الثالث:
[] التأثير السلبي للعولمة على تماسك الأسرة أخلاقياً:
أولاً – عولمة مفاهيم وأنظمة تخالف قوانين الأسرة المسلمة المستمدة من الشريعة السمحة، بل هي مفاهيم تتصادم مع الفطر السليمة، والقيم الإنسانية المشتركة، فمثلاً :
أ – مفاهيم مثل: التراضي بين الطرفين لإقامة علاقة جنسية عابرة لا يعد جريمة أخلاقية، أو خيانة زوجية، إذا الخيانة الزوجية هي التي ترتكب في فراش الزوجية، وأما خارجه فلا تعتبر خيانة! وأيضاً: المرأة في المجتمعات الغربية تخرج مع من تشاء، وتصادق من تشاء، وتفعل ما تشاء، وبحماية القانون، وليس لأب ولا للزوج حق الاعتراض على شيء، فأرقام شرطة الطوارئ تُحفَّظُ للطفل والمرأة قبل الاسم هناك .
    ب- وأيضًا سن زواج الشواذ، أي زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، والمطالبة بحقوقهم!، وأذكر أني قبل سنوات كنت في (كندا)، فوافقت زيارتي التصويت (لقانون المثليين) وهم الشواذ جنسيًّا، فالحكومة الكندية قد اعترفت بزواج الشواذ وأقرت لهم حقوقًا كحقوق الزوجين، ومنها السماح بكتابة عقد نظامي بزواج الرجل بالرجل، وزواج المرأة بالمرأة..، وأصبح هذا القانون جزءًا من نظام الأسرة لديهم، وكثير من العقلاء عندهم حتى من الرسميين وأساتذة الجامعات المعارضين للقانون لا يستطيعون حتى مجرد التصريح بالاعتراض فقد أصبح الشواذ قوة ضاربة في مجتمعهم، بل لقد بدأ تعديل مناهج الطب على أن هذا الأمر لم يعد شذوذاً، وأن كل ما أثبتته الدراسات من أضرار وأمراض إنما هو تحامل، بل لقد تم تعديل المصطلح العلمي من شواذ إلى تسميته بـ (زواج المثليين )!!. فمع الزمن وسكوت العقلاء أصبح المنكر معروفًا..؟! .
   ج - وأيضًا من القوانين التي أصبحت الأنظمة العالمية تبيحها، وتعترض على من يعارضها: السماح للانتقال من جنس إلى جنس بدون أي مبرر، رغم أنها عملية طبية صعبة ومعقدة ؟!
وهكذا يتضح خطر العولمة في تذويب ثقافة الآخر وإلغاء معتقداته السماوية، وخصوصياته الحضارية، بل ومحاربة أنماط الحياة الأسرية خاصة السائدة في الدول الإسلامية، والمستمدة من الدين الإسلامي الحنيف وشريعته السمحة، وإن لم يتحرك العقلاء فهذه الخصوصيات ستتلاشى وتقل تدريجيًّا من خلال هذا الانفتاح المتسارع الذي تشهده بلاد العالم .
ثانيًا - سوء استخدام وسائل الاتصال الحديثة من انترنت، وما سنجر، وشات، وبلوتوث، ويوتيوب، وجوال ونحوها، مما أشغل عالم الشباب والفتيات بشكل أكبر، وصرفهم عن كثير من الواجبات الأسرية والمدرسية، وباتت هذه الوسائل المؤثر والمرجع الأول لمعلوماتهم وأخلاقهم وسلوكياتهم، وجعل الكثير منهم أسارى غرفهم نومهم الخاصة في كل الأوقات فلا يكاد يرون آباءهم وإخوانهم، بل هم غارقون ولساعات طوال مع الأصدقاء بل ومع المجاهيل في عالم وسائل الاتصالات التي أصبحت تخرق الخصوصيات في البيوتات، وتدخل لغرف نوم الأولاد والبنات دون أي استئذان أو آداب..، فترى كل فرد من أفراد الأسرة يستخدم هذه التقنيات بما يحلو له دون رقيب أو حسيب، فأصبح الكثير من الجيل الجديد يعيش عالمه الخاص به، وكأن هذا رد فعل من الأولاد لانشغال الآباء عنهم. فهذه زوجة تشكي تقصير زوجها في حقها الشرعي فتقول: ".. لقد أصبحت أشك أنه - زوجها- مصاب بعيب كالعنة، أو أنه يمارس العادة السرية، وقد لاحظت أنه يسهر كثيراً أمام الانترنت ويقفل على نفسه الباب، وذات مرة لم يعلم بأني رجعت من المدرسة، ولم أعلم أنا بوجوده، فدخلت الغرفة لأغلق النور ظناً مني أنه نسيه، ففوجئ بوجودي وأغلق الجهاز مباشرة وكان وجهه أسود كأنه صاحب خمر أو سكر من السهر..،كان يكثر من الاغتسال، وأصبح يترك صلاة الفجر ولا يصليها إلا عند الذهاب للمدرسة، قبل الانترنت كان ينام عند العاشرة والنصف أو الحادية عشرة ..، تغير الكثير من حاله وأخلاقه وألفاظه..،ومرة دخلت عليه ليلاً فغير الموقع مباشرة فبأي شيء يفسر ذلك ..إلى آخر رسالتها ؟!" .
 

الخاتمة، وفيها :
[] النتائج والتوصيات :

من أجل أن نحافظ على هذا التماسك الأسري المعايش، ونزيده قوةً وصلابةً، وحتى نقلِّلَ من تأثيرات العولمة السلبية على الأسرة، أختم ورقتي ببعض النتائج والتوصيات، أرجو أن يكون لها أثر في تحقيق تماسك وترابط أفراد الأسرة، وتشد من تآلفهم وتماسكهم، وحب بعضهم لبعض، وحقيق بنا التواصي بها على المستوى الفردي والأسري، وعلى مستوى الدولة والمسئولين، ومن أهمها :
أولاً - إن المشاعر والعواطف التي تنمو في جو الأسرة نعمة ورحمة تقي التعاسة والشقاء، ويجعلها فضلاً من الله كالطيبات من الماء والغذاء فقال عز من قائل : ] وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ( [النحل:72].
ثانيًا - المطالبة الجادة من الدول والحكومات بدعم الأسرة كمؤسسة تربوية، لها أثر كبير في توطيد الأمن والاستقرار. والتأكيد على احترام دور المرأة الريادي في بيتها، وإبراز ذلك إعلامياً ليُعلي من قيمته، حتى لا تظل مهنة (ربة بيت) تقال على استحياء وخجل، وأنها مرتبطة بالكنس والطبخ والغسل فقط.. كما يروجه المغرضون، فلا بد أن يُشهر ويُظهر أن عمل المرأة في بيتها أشرف مهنة وأنها إدارة لأخطر مؤسسة لبناء المجتمعات الحضارية .
ثالثًا - وضع استراتيجيات وسياسات أسرية واضحة يتبناها المجتمع ويلتزم بها بحيث لا تخضع لتضارب مصالح الوزارات وقراراتها، ولا للأهواء الشخصية أو الضغوط الوقتية .
رابعًا - مطالبة وزارة التعليم والتربية بإقرار مادة عن ثقافة الأسرة والمسئوليات فيها، لتدريسها للشباب من الجنسين قبل دخولهم لمعترك الحياة ومسئوليات الأسرة والذرية، وذلك بوضع منهج تعليمي تربوي لها بما يواكب تطورات العصر وتحدياته، كما هو معمول به الآن ببعض دول الخليج، فدولة قطر تسعى لإقرار منهج عن الأسرة تعليمي للمرحلة الثانوية، إن لم تكن فعلاً بدأت بتدريسه.
خامسًا - قيام وزارة الشئون الاجتماعية بالتعاون مع وزارة الشئون الإسلامية بعمل برامج تدريبية وتوعوية متخصصة بتوعية الأب بدوره الرئيس في ضرورة تفعيل أسباب التماسك بين أفراد أسرته .
سادسًا - ضرورة التسريع بوضع المناهج والخطط والتوجيهات السليمة في كيفية الاستخدام الأمثل من قِبَلِ الجيل المعاصر لوسائل الاتصالات الحديثة، والقيام بحملة توعوية شاملة مع عمل كافة الأسباب لإنجاحها، وضرورة تعاون وتفاعل كل الجهات الرسمية والأهلية معها .
سابعًا - أهمية المستشار الأسري، بأن تتخذ كل أسرة مستشارًا خاصًّا لها، يثقون في دينه وصلاحه، ونصحه وأمانته، وخبرته وتجربته وحكمته..، وليس معنى هذا منع الإفادة من آراء كل ذي رأي، بل الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ولكن كما يقال: (أعط القوس باريها)، ممن يعرفك ويعرف الكثير عن أحوال أسرتك وطبيعتها، وهو مستودع لكثير من أسرارها وهمومها..، فهذا ليس كمن تعرف عليك من خلال لقاء أو مكالمة و مهاتفة، فأهمية هذا الأمر نابعة من كون المستشار الذي ترجع إليه الأسرة في استشاراته أنه مع طول الزمن يكسب خبرة وتجربة بخصوص هذه الأسرة. وهذا ما رأيته في كثير من الدول المتقدمة، ووقفت عليه بزيارة عدد من عيادات المستشارين الأسريين، وسمعت منهم كثيرًا مما حققته من إنجازات في سبيل رأب الصدع بين الزوجين، وتخفيف الكثير من الأعباء التي تنشأ من جراء تفكك الأسرة وانهيارها من التشريد وضياع الأطفال وحقوقهم.
ثامنًا - أقترح أن تبادر الجهات المسئولة، كوزارة الشئون الاجتماعية، والمؤسسات الأسرية، ومراكز الاستشارات وغيرها من المؤسسات المعنية، بوضع ما يُسمى "وثيقة الحياة الزوجية الناجحة"، وأوصي بها كل زوجين خاصة في بداية حياتهما الزوجية، وذلك بكتابة وثيقة في الأيام الأولى من زواجهما، وأن يبوح كل واحد للآخر عن الخطوات التي من شأنها أنها تحقق الغاية من تكوين الأسرة، وهي المودة والرحمة، والأنس والسكن، وماذا يحب ويكره، وفي هذا الباب ما جاء في قصة زواج شريح القاضي عندما تزوج امرأة من نساء بني تميم، فذكر شريح أنه لمَّا خلا البيتُ - أي ليلة العرس- دنوتُ منها، فمددتُ يدي إلى ناحيتِها فقالت: على رَسلِكَ يا أبا أميَّةَ كما أنتَ، ثُمَّ قالت خطبةً: الحمدُ لله، أحمدُهُ، وأستعينُه، وأصلِّي على محمَّدٍ وآلِهِ، إنِّي امرأةٌ غريبةٌ، لا علمَ لي بأخلاقِكَ، فبَيِّن لي ما تحبُّ فآتيه، وما تكرَهُ فأزدجِرُ عنه، وقالت: إنَّه قد كان لك في قومِكَ منكحٌ، وفي قومي مثلُ ذلك، ولكن إذا قضى الله أمرًا كان، وقد ملكتَ فاصنَع ما أمرَكَ الله به، إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ، أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولك !.
قال شُرَيحُ: فأحوجَتني إلى الخطبةِ في ذلك الموضعِ، فقلتُ: الحمدُ لله، أحمدُه، وأستعينُه، وأصلِّي على النَّبي وآلِه وسلَّمَ، أمَّا بعدُ: فإنَّكِ قد قلتِ كلامًا إن تثبتي عليه يكُن ذلك حظَّكِ، وإن تدَعيه يكن حجَّةً عليك، أحبُّ كذا، وأكرهُ كذا، ونحن جميعٌ فلا تفرَّقي، وما رأيتُ من حسنةٍ فانشريها، وما رأيتُ من سيِّئةٍ فاستُريها .
قالت: كيفَ محبَّتُك لزيارةِ الأهلِ ؟
قلتُ: ما أحبُّ أن يملَّني أصهاري .
قالت: فمن تحبُّ من جيرانِك أن يدخلَ دارَكَ آذنُ لهم، ومن تكرهُه أكره ؟!
قلتُ: بنو فلانٍ قومٌ صالحون، وبنو فلانٍ قومُ سوءٍ...
وذكرَ شُرَيحٌ أنَّه لم يجد من تلك الزَّوجةِ ما يغضبُه لمدَّةِ عشرين سنَةٍ إلا مرَّةً واحدةً فقط وكان هو المخطئ..!([19]).  
تاسعًا - وكذلك فعل الشيء نفسه، بما يسمى: بـ"وثيقة الطلاق الناجح"، مع أهمية السرعة والمبادرة لعلاج ظاهرة الطلاق أو تقليلها وقاية للمجتمع من شرور كثيرة، وإحدى هذه الوسائل: (وثيقة الطلاق الناجح)، والذي تعطي كل ذي حق حقه، وتحفظ حقوق الأبناء، والاتفاق على كيفية تربيتهم ورعايتهم عند رغبة الطرفين أو أحدهما بالفراق.
عاشرًا - تبني الجهات المعنية، وخاصة وزارة الإعلام لنشر ثقافة الحوار الأسري، والشورى بين أفراد الأسرة
الواحدة، في كل أمر من أمور البيت، عملاً بقول الله سبحانه: )وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ( [الشورى: 38]، فبالحوار والشورى تستجلب المودات، وتعمر البيوتات، وتحفظ به المجتمعات، ومن ثَمَّ يتفرغ الرجال للبناء والإعمار والإصلاح، والنساء لتربية الأجيال وتخريج الرجال .
الحادي عشر- التركيز عند التوعية والتثقيف بالبدء بالقيام بأداء الواجبات، ومن ثم المطالبة بالحقوق، فالكثير من الأزواج والزوجات يطالب بما له من حقوق، قبل أن يقوم بما عليه من واجبات. وينسى أن الحقوق تقابلها دائمًا الواجبات. ولو قام كل واحد من الزوجين بما عليه تجاه الآخر من واجبات عليه، لما احتاجا للمطالبة بالحقوق، ولعاشا حياة هانئة مطمئنة، ويكون البيت سكنًا حانيًا هانئًا بعيدًا عن المشاكل والمنغصات .
الثاني عشر- إنشاء مراكز دراسات وبحوث خاصة في قضايا الأسرة، لترصد بشكل علمي ومهني المشاكل والظواهر الأسرية، وتتابع المتغيرات للنسق الاجتماعي، وتقدم الحلول العملية والعلاج الناجع، وتمد بها النخب من شرعيين وإعلاميين ومثقفين واقتصاديين وصناع قرار، وتتواصل معهم لبث الوعي الصحيح لهذه المشاكل بعيداً عن مجرد الانفعال والتخمينات، إلى تصورات واقعية موثقة، ومن ثم تفعيلهم جميعاً للمشاركة في العلاج لها.

ـ تم بحمد الله ـ

مصادر ومراجع البحث
* القرآن الكريم
1- جامع الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي، (200- 279هـ)، ط: 2، (1421هـ)، دار السلام للنشر والتوزيع ، الرياض.
2– صحيح البخاري، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، (194-256هـ)، ط:2، (1421هـ)، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض .
3- صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، (204-261هـ)، ط: 2، (1421هـ)، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض .
4- سنن ابن ماجه، للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني (209-273هـ) ط: دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض.
5- صحيح ابن ماجه لمحمد ناصر الدين الألباني، (1333- 1420هـ)، ط: (1407هـ) المكتب الإسلامي.
6- لسان العرب لابن منظور الإفريقي المصري، (630-711هـ)، ط: دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي ببيروت.
7- تاج العروس للزبيدي.
8- المصباح المنير
9- الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني .
10- زاد المعاد في هدي خير العباد للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي ابن قيم الجوزية (691-751هـ).
11- آدب الحياة الزوجية في ضوء الكتاب والسنة - خالد عبد الرحمن العك.
12- الموسوعة الفقهية الكويتية، مطابع دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع بمصر 1414هـ، 1993 م.
13- ورقة عمل مقدمة إلى ندوة العولمة وأولويات التربية التي نظمتها كلية التربية – جامعة الملك سعود في الفترة من 1-2/3/1425هـ الموافق 20-21/4/2004م بعنوان : (تربية العولمة وعولمة التربية: رؤية استراتيجية تربوية في زمن العولمة) إعداد: أ.د. عبد الرحمن بن أحمد محمد صائغ .
14-
موقع الأمم المتحدة  و  موقع بوابة المرأة
15- وثيقة مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة عام 2000م  للمساواة والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين  الذي انعقد في ( نيويورك ).
16- مجلة الإسلام اليوم – عدد: شهر ربيع الأول: 1429هـ.
17– مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (164-241هـ)، دار الفكر العربي، بيروت .


([1])  انظر للتوسع: آداب الحياة الزوجية في ضوء الكتاب والسنة لخالد عبد الرحمن العك (ص224 وما بعدها).
([2]) رواه البخاري في النكاح، باب الأكفاء في الدين (ح:5090). ومسلم في الرضاع، باب استحباب ذات الدين (ح:1466).
([3]) رواه ابن ماجه في النكاح، باب الأكفاء (ح: 1967). والترمذي في النكاح، باب ما جاء فيمن ترضون دينه فزوجوه (ح1084) من حديث أبي هريرة، ورجح إرساله، وأخرج بعده (ح:1085) من حديث أبي حاتم المزني، وقال: حسن غريب. وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (ح: 1601).
[4] - لسان العرب، تاج العروس، والمصباح المنير، مادة (أسر).
[5] - انظر:  الموسوعة الفقهية الكويتية (4/223) بتصرف .
[6] - الفواكه الدواني (2/76) طبعة مصطفى محمد .
[7] - ويكيبيديا –كما جاء في تعريفها عن نفسها في موقعها- هي : مشروع موسوعة، متعددة اللغات، مبنية على الإنترنت، حرة المحتوى. يساهم فيها أكثر من7500 مساهم نشط يعملون على أكثر من 10،000،000 مقال في أكثر من 250 لغة؛ 80,820 مقال منها باللغة العربية يوميًّا. الزوار ليسوا بحاجة إلى أي مؤهلات للمشاركة في ويكيبيديا،‌لذلك يحرر موضوعاتها الكثير من المساهمين في مختلف الأعمار والخلفيات الثقافية. وأي شخص مرحب بمساهمته المرفقة باستشهادات ومصادر في ويكيبيديا وفقًا لبعض السياسات والإرشادات، والنصوص بدون مصادر معرضة للحذف. النسخة العربية من الموسوعة الحرة بدأت في يوليو 2003، وما زالت في مرحلة بناء المحتويات.
[8] - انظر ورقة عمل مقدمة إلى ندوة العولمة وأولويات التربية التي نظمتها كلية التربية – جامعة الملك سعود في الفترة من 1-2/3/1425هـ الموافق 20-21/4/2004م بعنوان : (تربية العولمة وعولمة التربية: رؤية استراتيجية تربوية في زمن العولمة) إعداد: أ.د. عبد الرحمن بن أحمد محمد صائغ .
[9] - المرجع السابق بتصرف وزيادة .
[10] - انظر للاستزادة مقالاً بعنوان: الحفاظ على الهوية في حقبة العولمة الثقافية/ لحــامد بن عبد الله الــعلي، المنشور ضمن مقالات حواها كتاب(الدور الإسلامي للأمة المسلمة في عالم الغد الصادر من مركز البحوث والدراسات بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي التاسع في دولة قطر (ص: 161) .
[11] - بحث الإعلام المعاصر والمشكلات الأخلاقية في المجتمعات الإسلامية،  إعداد: د. لينة الحمصي، ضمن أوراق مؤتمر أخلاقنا بين النظرية والسلوك (أسباب ومعالجات 5-6/1429هـ بالبحرين .   
[12] - انظر:
موقع الأمم المتحدة  و موقع بوابة المرأة
[13] - انظر: ما تضمنته وثيقة مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة عام 2000م  للمساواة والتنمية والسلام في القرن الحادي والعشرين ) الذي انعقد في ( نيويورك ). وقد تضمنت وثيقة هذا المؤتمر التحضيرية ما يلي: * الدعوة إلى الحرية الجنسية والإباحية للمراهقين والمراهقات والتبكير بها مع تأخير سن الزواج. وأوجدوا مسمًى جديداً للداعرات وهو: (عاملات الجنس ) ، وتشجيع جميع أنواع العلاقات الجنسية خارج إطار الأسرة الشرعية (رجلاً وامرأة)، وتهميش دور الزواج في بناء الأسرة. * إباحة الإجهاض. * تكريس المفهوم الغربي للأسرة، وأنها تتكون من شخصين يمكن أن يكونا من نوع واحد (رجل + رجل ، أو امرأة + امرأة). * تشجيع المرأة على رفض الأعمال المنزلية، بحجة أنها أعمال ليست ذات أجر. * المطالبة بإنشاء محاكم أسرية من أجل محاكمة الزوج بتهمة اغتصاب زوجته. * إباحة الشذوذ الجنسي (اللواط والسحاق)، بل الدعوة إلى مراجعة ونقض القوانين التي تعتبر الشذوذ الجنسي جريمة. *فرض مفهوم المساواة الشكلي المطلق، والتماثل التام بين الرجل والمرأة في كل شيء بما في ذلك الواجبات: كالعمل وحضانة الأطفال، والأعمال المنزلية، وفي الحقوق: كالميراث. * المطالبة بإلغاء التحفظات التي أبدتها بعض الدول الإسلامية على وثيقة  مؤتمر بكين 1995م . ويعتبر أهم هدف في هذا المؤتمر هو : الوصول إلى صيغة نهائية ملزمة للدول بخصوص القضايا المطروحة على أجندة هذا المؤتمر، والتي صدرت بحقها توصيات ومقررات في المؤتمرات الدولية السابقة، تحت إشراف الأمم المتحدة . ولأهمية هذا المؤتمر وتعويل التيار النسوي العالمي عليه؛ فقد أقيمت عدة مؤتمرات إقليمية لمتابعة توصيات مؤتمر بكين، والتمهيد لهذا المؤتمر المسمى: « المؤتمر التنسيقي الدولي للنظر في نتائج وتطبيق قرارات المؤتمرات الأممية للمرأة » انظر:
موقع الأمم المتحدة

[14] - انظر ورقة عمل مقدمة إلى ندوة العولمة وأولويات التربية التي نظمتها كلية التربية – جامعة الملك سعود في الفترة من 1-2/3/1425هـ الموافق 20-21/4/2004م بعنوان : (تربية العولمة وعولمة التربية: رؤية استراتيجية تربوية في زمن العولمة) إعداد: أ.د. عبد الرحمن بن أحمد محمد صائغ .
[15] - عقد هذا المؤتمر في القاهرة: في عام 1994م وعنوانه: (المؤتمر الدولي للسكان والتنمية)ن وهذا المؤتمر يعد من المؤتمرات التي أثارت وثيقته ضجة واسعة في العالم الإسلامي وغير الإسلامي؛ بسبب مخالفتها للشرائع السماوية وللفطرة السليمة.
2 - هو تقرير صدر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن أوضاع النساء في السعودية، حيث اعتبر النساء في المملكة أنهن قاصرات للأبد حسب زعم المنظمة، والإنسان يحتار عندما يقرأ مثل هذه التقارير عن منظمات غربية ويتساءل على أي شيء يبنون مثل هذه التقارير؟! وأين الدقة في الوصف؟ وأين التقارير المبنية على الإحصائيات الدقيقة والمنهجية العلمية التي اشتهرت بها المنظمات في الغرب؟!
[17] - مجلة الإسلام اليوم – عدد: شهر ربيع الأول: 1429هـ .
([18]) رواه الترمذي في الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها(ح1163) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه في النكاح، باب حق المرأة على الزوج (ح1851). صححه ابن القيم في"الزاد" (4/46).
([19]) انظر:  أحكام النساء لابن الجوزي (ص134-135). وأحكام القرآن لابن العربي (1/417).

 



تاريخ إضافة القضية : 22-11-1430 هـ
 
 
بادر بالمساهمة

 
استطلاع الرأي
هل تؤيد الانجاب في السنتين الأولى من الزواج؟
 
نعم
لا
 للتواصل معنا   
  البريد الإلكتروني


  رقم الجوال
 
 
 
الآراء الواردة في المقالات تعبر عن مواقف كتّابها وليس بالضرورة موقف مشروع ابن باز الخيري جميع الحقوق محفوظة